إختصاص الرئيس الأوّل للمحكمة الإداريـة
في مادّة توقيف تنفيذ القرارات الإدارية

إقتضت أحكام الفصل 3 جديد من القانون عدد 40 لسنة 1972 المــؤرخ في أول جوان 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية أنّ هذه الأخيرة تختصّ بالنظر في دعاوي تجاوز السلطة التي ترفع لإلغاء المقرارات الصادرة في المادّة الإدارية.
ونصّت أحكام الفصل 9 من ذات القانون أنّ قرار الإلغاء الصادر عن المحكمة يوجب على الإدارة إعادة الوضعية القانونية التي وقع تنقيحها أو حذفها بالمقررات الإدارية الواقع إلغاؤها إلى حالتها الأصلية بصفة كلية.
غير أنّ الفصل 39 من نفس القانون نصّ على أنّه لا تعطّل دعوى تجاوز السلطة تنفيذ القرار المطعون فيه.
ومعنى ذلك أنّ المقرر الإداري يكتسي قرينة الشرعية ولا يجوز بالتالي إيقاف تنفيذه إلاّ متى تبين للقاضي الإداري أنّه لم يحترم مبدأ المشروعية.
وأمام هذه الوضعية التي قد تلحق أضرارا بالمتقاضين من جراء مواصلة تنفيذ القرار المشتكى منه أقرّ المشرع إمكانية توقيف تنفيذ القرارات بصفة مستعجلة إلى حين البتّ في الدعوى الأصلية .
وأوكل هذا الإختصاص إلى الرئيس الأوّل للمحكمة الإداريـة و ذلـــك بمقتـضى الفصل 39 سالف الذكر كما أتاح الفصل 40 من قانون المحكمة الإدارية للرئيس الأوّل أن يأذن بتأجيل تنفيذ المقرّر المطعون فيه إلى حين البتّ في مطلب توقيف التنفيذ وذلك في صورة التأكّد بطلب من المعنى بالأمر أو تلقائيا ويجوز له كذلك أن يأذن بتوقيف التنفيذ طبقا للمسوّدة.
والهدف من هذا الإجراء هو صيانة حقوق المتقاضين وحمايتهم من الإنعكاسات السلبية للقرارات الإدارية التي قد تكون مخالفة للقوانين و التراتيب الجاري بها العمل و المبادئ القانونية العامة خاصة وأنّ طول نشر القضية قد يجعل الحكم بالإلغاء غير كاف لإصلاح الوضعيات بصفة جذرية وفعالة علما و أنّ استئناف الأحكام الإبتدائية الصادرة في مادّة تجاوز السلطة يعطّل تنفيذها.
وهذا الحلّ الذي اختاره المشرّع التونسي استمدّه من النموذج الفرنسي الذي أجاز منذ سنة 1953 لمجلس الدولة و للمحاكم الإدارية إمكانية الإذن بتوقيف القرارات الإدارية إلى حين إصدار حكم في الأصل.
ويعتبر هذا الإجراء إستثنائي مخوّل إلى رئيس الأوّل للمحكمـة الإداريـة كقـاضي فردي وقد شهد تطورا هامّا من ناحية الكم و الكيف ممّا أدّى إلى ادخال تنقيح عليه سنة 1996 إثر إصلاح منظومة القضاء الإداري ومع ذلك فإنّ هذا الإجراء بقي يشكو من العديد من النقائص وهو محّل انتقادات فقهية حاليا ويحتاج إلى مراجعة خاصّة بعد ختم الدستور الجديد للجمهورية التونسية في 27 جانفي 2014 و نشره بالرائد الرسمي بتاريخ 10 فيفري 2014 و الذّي أعاد هيكلة السلطة القضائية بما فيها القضاء الإداري وعلى ضوء ذلك ستتّم مراجعة القانون المتعلّق بالمحكمة الإدارية.

i – الوضعية الحالية لإجراء توقيف تنفيذ القرارات الإدارية :
نصّت أحكام الفصل 39 جديد من قانون المحكمة الإدارية أنّه "يجوز للرئيس الأوّل أن يأذن بتوقيف التنفيذ إلى حين انقضاء آجال القيام بالدعوى الأصلية أو صدور الحكم فيها، إذا كان طلب ذلك قائما على أسباب جدية في ظاهرها وكان تنفيذ المقرّر المذكور من شأنه أن يتسبّب للمدّعي في نتائج يصعب تداركها".
ويختلف إختيار المشرّع من هذه الناحية على ما هو معمول به بالنسبة للقانون الفرنسي الذّي أسند هذا الإختصاص إلى هيئة جماعية في حين أنّ الإختصاص في مادّة توقيف التنفيذ أسند إلى قاض فردي ممثّل في الرئيس الأوّل للمحكمة الإدارية.
وهذا الحلّ هو محلّ عدّة انتقادات باعتبار أنّ الرئيس الأوّل للمحكمة الإدارية يتمّ تعيينه من طرف السلطة التنفيذية و يخشى أن يكون مواليا لها ممّا يفقد قضاء توقيف التنفيذ طابعه الموضوعي و لتفادي ذلك دأب عمل المحكمة الإدارية على إخضاع قضاء توقيف التنفيذ لإجراءات تحقيق لم يتعرض إليها القانون بصفة مباشرة وهي تهدف إلى تحقيق الموضوعية و الحياد التامّ من خلال تكليف قاض مقرّر بأعمال التحقيق و إعداد مشروع قرار يعرضه على الرئيس الأوّل الذّي له أن يحيل ملف القضية على مندوب الدولة العام لإبداء ملحوظاته بشأنها.
وقد إقتبست المحكمة هذه الإجراءات من الإجراءاتالمتّبعة بمناسبة التحقيق في دعاوي تجاوز السلطة باعتبار أنّ الفرع الذي هو قضاء توقيف التنفيذ القرارات الإدارية الذي يتبع الأصل وهو قضاء الإلغاء. لذا فإنّ هذا العمل الجماعي من شأنه أن يضفي على قضاء توقيف التنفيذ أكثر نجاعة و مصداقية.
ويصدر الرئيس الأوّل الحكم في مادّة توقيف التنفيذ بمقتضى قرار معلّل وإن لم يشترط النصّ التعليل إمّا برفض المطلب أو الإذن بتوقيف التنفيذ إلى حين انقضاء الآجال القيام بالدعوى الأصلية أو صدور الحكم فيها. وهذه القرارات تحفظية ولا تقبل أيّ وجه من أوجه الطعن ولو بالتعقيب.
وباستقراء فقه قضاء توقيف التنفيذ يلاحظ أنّ قبول النظر في المطلب يتوقف في مدى قابلية الدعوى من ناحية الإختصاص ومن حيث الشكل.
ويصدر الرئيس الأوّل قراره دون المساس بأصل النزاع فيرفض المطلب كلّما كانت الأسباب التي تأسّس عليها غير جدّية باعتبار أنّ المشرع فرض شرطين لقبول المطلب أوّلا أن يكون هذا المطلب قائما على أسباب جدّية في ظاهرها وكان تنفيذ القرار الإداري من شأنه أن يتسبّب للمدّعي في نتائج يصعب تداركها. مع الإشارة إلى أنّ فقه قضاء توقيف التنفيذ جعل المشرّع يواكب المرونة إلى توصلت إليها المحكمة من خلال تغييره سنة 1996 لعبارة يستحيل تداركها و تعويضها بعبارة يصعب تداركها. والهدف من ذلك إتاحة الفرصة للمتقاضين لطلب توقيف تنفيذ قرار إداري قد يتسبّب في نتائج يمكن تداركها لكن بصعوبة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ فقه القضاء توقيف التنفيذ شهد تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة فبعد أن كان الرئيس الأوّل يرفض توقيف تنفيذ القرارات الإدارية السلبية كقرارات الرفض الضّمني أصبح يأذن بتوقيف تنفيذها و معنى ذلك أنّه بإمكانه أن يأذن الإدارة باتّخاذ قرار إيجابي عوض القرار السلبي كمنح رخصة بناء لطالبها.
إنّ التطور الذي شهده فقه قضاء توقيف التنفيذ مقارنة مع ما كان عليه خلال العشر سنوات الأولى التي تلت إحداث المحكمة الإدارية بتونس أي المرحلة الأولى من سنة 1975 الى سنة 1985 حيث لم يقع منح إلاّ 14 قرار في توقيف التنفيذ بمناسبة النظر فيما يقارب 152 مطلبا.
فإنّ الوضعية الحالية و رغم المرونة التي يمتاز بها هذا النوع من القضاء المستعجل فإنّه لا يخلو من العديد من النقائص التي يستحسن تفاديها من خلال المراجعة الضرورية التي ستشمل السلطة القضائية و منها القضاء الاداري في الأيّام القادمة.

-ii- نقائص قضاء توقيف التنفيذ و كيفية اصلاحها:

نصّ الفصل 116 من الدستور الجديد للجمهورية التونسية و المتعلق بالقضاء الإداري أن هذا الأخير يتكون من محكمة إدارية عليا و محاكم إدارية استئنافية و محاكم إدارية ابتدائية وهو ما يعني بالضرورة إعادة هيكلة القضاء الإداري و سيتم ذلك في غضون الستة أشهر الموالية لانتخاب المجلس التشريعي التي ستجرى في شهر أكتوبر 2014 .
و قد بيّن العمل القضائي أنّ غالب الدعاوى الأصلية في تجاوز السلطة أصبحت مقرونة بمطالب في توقيف التنفيذ و قد ارتفع عدد القضايا بصفة ملحوظة ممّا يجعل الرئيس الأوّل في استحالة ماديّة للبتّ في المطالب المرفوعة أمامه في آجال لا يتجاوز الشهر مثلما تقتضيه أحكام الفصل 40 من قانون المحكمة الإارية.
و يتمثل الحلّ الأنجع لتفادي هذه الإشكالية في منح هذا الاختصاص الى رؤساء المحاكم الإدارية الابتدائية التي سيتمّ إحداثها وفق أحكام الدستور فرئيس المحكمة الابتدائية هو المخول قانونا للنظر في جدية مطالب توقيف القرارات الإدارية باعتباره سيتولى النظر في أصل القضايا المرفوعة لدى المحكمة الابتدائية التي يشرف عليها.

و باعتبار أنّ الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية هي احكام قابلة للاستئناف أمام المحاكم الإدارية الإستئنافية فإنّ المنطق يفرض أن تكون القرارات الصادرة في مادة توقيف التنفيذ خاضعة كذلك للاستئناف أمام رؤساء المحاكم الإستئنافية تزامنا مع الطعن بالاستئناف في قضايا الأصل علما و أن استئناف الأحكام الابتدائية يعطل تنفيذها إلاّ فيما استثناه القانون.

و هذا الحل المقترح لا ينال من مصداقية الرئيس الأول للمحكمة الإدارية نظرا إلى أن مؤسسة الرئيس الأوّل حاليا سيقع بمقتضى احكام الدستور تعويضها بمؤسّسة رئيس المحكمة الإدارية العليا و باعتباره قاض سامي فإن رئيس المحكمة الإدارية العليا سيقع تسميته بأمر رئاسي بالتشاور مع رئيس الحكومة بناء على ترشيح حصري من المجلس الأعلى للقضاء المتكون وفق أحكام الفصل 122 من الدستور الجديد من أربعة هياكل هي مجلس القضاء العدلي و مجلس القضاء الإداري و مجلس القضاء المالي و الجلسة العامة للمجالس القضائية الثلاثة.